جان لوئيس بوركهارت
203
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وكانت تخيم على مقربة من راس الوادي جماعة كبيرة من البشاريين أتوا ليبتاعوا زادهم من الذرة للصيف . وعلمت أن أخا المك حمزة ذهب مؤخرا إلى سواكن في طريقه إلى شبه جزيرة العرب ، وصحب معه عددا من الرقيق والخيل العتاق ليهديها إلى الشريف حمودة أمير اليمن أملا في الظفر ببعض الهدايا المناسبة بطبيعة الحال . وهذا الضرب من التجارة شائع في هذه البلاد . وقد رأيت بعض هجن المك حمزة فإذا هي من صفوة الهجن ، وكانت على لجمها ورجالها زينة براقة ، ويقتنى كل شيخ من شيوخ القبائل هنا هجينين من خير الفصائل يظهر بهما أمام الناس ليسترعى الأنظار ، ويركبهما عبدان من عبيده ويسيران في ركابه أنى سار . وبارحنا راس الوادي في الضحى يصحبنا رجلان من أسرة المك إلى حدود أملاكه وكان شطر من الطريق رمالا جرداء ، وفي شطر آخر منه تفرقت أشجار السنط . وبعد ساعتين مررنا بعدد من النزلات فيها الكثير من شجر الدوم وإلى جوارها جزيرة كبيرة ظهرت في عرض النهر . ويقال إن أهل هذه النزلات من أعرق اللصوص ، ولعل هذا هو الذي حمل دليلينا على أن يقفا بنا هنا ويطالبانا بعشرة ريالات أجرا لاصطحابهما إيانا حتى هذه البقعة ، ولم ير التجار مفرا من الإذعان فدفعوا الأتاوة وأنفهم راغم . وكان الركب قد تناقص حتى بلغ العشرين ، فقد انسلخ عن جماعتنا بعض صغار التجار تفاديا لدفع ضريبة المرور وسبقونا عابرين الصحراء ليلا شرقي راس الوادي ، كذلك استأجر غير هؤلاء ممن لا جمال لهم خبيرا من القوز صحبهم ليلا في طريق خطر بحذاء ضفة النهر ثم انضموا إلينا ثانية بعد أن جازوا أملاك المك حمزه . وعلى مقربة من النزلات أبصرنا عددا هائلا من شواهد القبور الجديدة التي تنطق بما حلّ بالبلاد من غارات الجدري المدمرة ، وكان كل قبر مغطى بالحصى الأبيض وقطع المرو جريا على عادة النوبيين ، وهي العادة التي لحظتها من قبل في بلاد البرابرة . وسهل الصحراء الشرقية تقطعه هنا بعض التلال من الرمل والحصباء . ومررنا بأحراج من السنط ، ثم وصلنا بعد أربع ساعات إلى نهر مقرن لا مارب كما يسميه